
أجلس في الحافلة بجوار النافذة، أستند إليها كأن روحي سائلة تتسرب مني إلى الخارج لتذوب مع الكون بحرية لا أملكها..
أجلس و أضع في أذني سماعات أغاني كئيبة أحبها جداً و لا تسبب لي التعاسة.. لسبب ما عند سماعها أشعر بوضوح في أحاسيسي و أفيق تماماً..
يأتي ليجلس بجانبي...
ناير.. زميلي في الصف.. غير مريح.. صامت.. يبدو عليه الغضب بالرغم من أن وحدته تعطيك إنطباعاً أنه من المستحيل أن يتواصل معه أحد للحد الضروري للغضب..
يسألني بفضول "بتسمعي إيه؟"
أنظر إليه بمزيج من الدهشة و عدم الفهم..
ثم أستجمع تركيزي و أرد "أغاني كئيبة... "
فقال لي "ليه؟"
ضحكت ضحكة سخرية قصيرة و جاوبته "مكنتش أعرف إنك مفرفش كده"
فابتسم و قال لي مصححاً "لأ أنا بسألك أما بتسمعيها بتحسسك بإيه... "
فسكتت قليلاً و وجدت أن ردي سيؤدي لتطفل غير محبب في الوقت الحالي...
إمتص سكوتي و جلس معتدلاً ناظراً أمامه و قال بصوت أعلى قليلاً كأنها عظة "المزيكا دي أصلها عالم تاني.. مدرسة تانية من الملاحظة ... وجهات نظر جديدة تماماً بنشوفها لكل حاجة في الدنيا و إحنا مستسلمين ليها"
بدا كلامه مألوفاً... مقاومة مني لحديثه العميق قلت "و ليه نستسلم؟"
فابتسم و نظر بين يديه قائلاً " ما هي دي المخاطرة و التمن اللى بندفعهم علشان نعيش... الحذر ده الرصيف إللي بنقف عليه و مش بنعيش.. الاستسلام لحاجة أو لإحساس هو التذكرة لاستطعامها بجد"
يكاد يكون يلمس كل الجروح بجملة واحدة...
لم يستطع أن يتحمل الصمت لثوان حتى فنظر لي بغموض من وجد بطاقة رابحة و قال لي " تلعبي لعبة حلوة لحد ما نوصل؟"
فقلت "حسب اللعبة"
أحس بجدار عدم ثقة فنظر للأمام قائلاً "لأ إختاري من الأول"
بعد قلق غير مبرر و لا إسم له وافقت..
فتح جهازه الموسيقي و دارت موسيقى هادئة غريبة النغمات... جزء منها لاتيني و جزء كلاسيكي من قرن أو أكثر..
و قال لي بهمس كمن يخشى أن يؤثر على سحر النغمات "حنبص على الشارع بإيقاع المزيكا... غيري مكان نظرك مع الإيقاع و شوفي بتشوفي إيه.. خللي المزيكا ترقص عينك على المنظر"
أحسست بفراغه الشديد و الإستفزاز من إقحامي في لعبة كتلك من البداية..
نظرت من النافذة..
و تبدلت النغمات و إنساب اللحن بجمال فجأة..
درت بنظري في كل مكان كما يرتأي للإيقاع..
ووجدت نفسي أقول بهمس مسموع "قطة بتجري... سحابة.. واحد في البلكونة.. غسيل فيه شراب نونو.. عيال بتلعب كورة.. كلب بيشمشم.. ورد كتير ع الأرض.. ميكانيكي بينشف عرقه.. جزمة شيك زيادة نازلة من عربية.. إيه ده صاحبتها بتعيط! ورد تاني حلو قوي.. عسكري بيجيب عيش كتير قوي.. واحدة بتعدي بإبنها الشارع و هو لابس مريلة المدرسة!!!!!! إزاي الحاجات دي شكلها مبهج أكتر كده!!!!"
أحسست بالإمتنان و أنا أقول ذلك
فرد و هو يلملم أغراضه واقفاً "مكناش حنبص بسرعة على كل ده غير كده... مع إن الدنيا مليانة فرجة و حواديت ياما"
حواديت
لعبته أفاقتني على رغبة شديدة في الكتابة و اللعب
يبدو أن الموسيقى له كانت الصديق الذي يشير إلى حواديت الناس في النافذة...
كما كان هو لي بعض الشئ اليوم...
لقد علمته الوحدة إمتصاص الحكايات من لقطات الناس العابرة...
أشعر بأنه ينوي على إطلاعي على كل غرائب عالمه الوحيد.. فلا يصير وحيداً ثانيةً




